في عام 1870، كان إقليم نيفادا يعيش حالة من الاضطراب الشديد بسبب اكتشاف أكبر رواسب الفضة في أمريكا. نشأت مدينة سيلفر كريك فجأة كمستوطنة مؤقتة، لتجذب آلاف الرجال اليائسين الباحثين عن الثراء السريع. ومع تدفق هؤلاء الرجال الوحيدين والمال السهل، برزت فرص مظلمة وخطيرة. كان بيت الدعارة “غولدن روز بارلور هاوس” يعد بأن يكون مختلفًا تمامًا عن بيوت الدعارة القذرة والمهددة بالخطر في المنطقة؛ إنه مكان فاخر تديره ثلاث أخوات يقدمن الكرامة والأمان لموظفاتهن. على مدى ثماني سنوات، اعتبر غولدن روز أكثر بيوت الدعارة رقيًا وسرية في سيلفر كريك.

حظيت الأخوات إيفرهارت بتسامح محترم من جانب المجتمع المحلي بفضل سريتهن الشديدة، وتبرعاتهن السخية للأعمال الخيرية، وسلوكهن المثالي في الأماكن العامة. كانت المؤسسة واحدة من أكثر الأنشطة استقرارًا في المدينة، تعمل دون فضائح أو اضطرابات كانت تميز غيرها من الأماكن المماثلة. لكن في عام 1878، وعندما أعيد اكتشاف المبنى أخيرًا إثر تحقيق رسمي، أذهلت كشف مروع ليس سكان نيفادا وحدهم، بل الأمة بأكملها. تحت الحديقة الزخرفية وفي قبو المنزل الأنيق، عثر على بقايا 97 امرأة شابة.
هذه هي قصة كيف بنت ثلاث أخوات إمبراطورية من الرعب النفسي، وأدرن ما قد يكون أول حالة موثقة لقتل متسلسل منظم من قبل نساء في تاريخ أمريكا؛ قصة تشكك في فهمنا للمفترسين والضحايا، ولطبيعة الإنسان في أحلك صورها.

ولدت سيلفر كريك، مثل العديد من مدن حمى الفضة، بانفجار مفاجئ من الخيام والأكواخ الخشبية التي تحولت بسرعة إلى مجتمع مزدهر. في عام 1870، ارتفع عدد السكان من الصفر إلى قرابة الألف نسمة في غضون عامين فقط. كان غالبيتهم رجالاً: عمال مناجم، تجار، مغامرون، وانتهازيون قادمون من كل أنحاء أمريكا بحثًا عن ثروة الفضة المخبأة في جبال نيفادا. بين هؤلاء الوافدين الجدد، وصلت ثلاث أخوات قدمن أنفسهن باسم غريتا، وفيلهيلمينا، ومارغو إيفرهارت. وفقًا لروايتهن، كن ينحدّرن من عائلة محترمة في بوسطن خسرت كل ممتلكاتها خلال الحرب الأهلية.
غريتا، الكبرى، في الخامسة والثلاثين، كانت تمتلك حضورًا قويًا ومهيبًا؛ طويلة القامة، بشعر أسود مربوط دائمًا في كعكة أنيقة، وعيون ثاقبة تبدو وكأنها تقيم كل شخص تتحدث إليه بعمق. فيلهيلمينا، البالغة اثنتين وثلاثين عامًا، كانت على النقيض: صغيرة الحجم وهشة المظهر، بابتسامة حلوة وصوت هادئ يهدئ الأعصاب. أما مارغو، الأصغر سنًا في التاسعة والعشرين، فكانت غالبًا صامتة، تراقب كل شيء بعينين مكثفتين أثارتا القلق لدى البعض.

وصلت الأخوات بموارد مالية كبيرة، فاشترين فورًا قطعة أرض في أعلى منطقة في سيلفر كريك، مكان يطل على المدينة بأكملها. هناك شيدوا ما أصبح يُعرف باسم غولدن روز بارلور هاوس، مبنى من طابقين بتصميم فيكتوري راقٍ، محاط بحدائق زخرفية جميلة ومفروش بأثاث مستورد من الشرق. كان المبنى يبرز بوضوح عن بيوت الدعارة الريفية البسيطة والحانات القذرة التي سادت المدينة. ما جعل غولدن روز فريدًا حقًا كان فلسفة الأخوات إيفرهارت. لم يقمن بتوظيف نساء محليات أو عاهرات ذوات خبرة سابقة؛ بل نشرن إعلانات في صحف المدن البعيدة، يعرضن فرص عمل كريمة كـ”رفيقات” للرجال الراقين.
وعدت الإعلانات برواتب مغرية، سكن مريح، حماية من العنف، وإمكانية ادخار المال لبناء مستقبل أفضل.
رغم أن طبيعة المؤسسة كانت واضحة للجميع، إلا أن غريتا إيفرهارت حصلت على مكانة استثنائية في المجتمع. كانت تحضر كنيسة الميثوديست كل يوم أحد، وتساهم بسخاء في الأعمال الخيرية، وتنظم حفلات اجتماعية للعائلات الأكثر نفوذًا في سيلفر كريك. تحدثت ببلاغة عن ضرورة توفير فرص كريمة للنساء المحتاجات، خاصة اليتيمات والأرامل اللواتي فقدن كل شيء في الحرب الأهلية وليس لديهن مأوى.
وصلت أولى الموظفات إلى غولدن روز في خريف عام 1870: سارة ميتشل، فتاة في التاسعة عشرة من أوهايو توفي والداها بالسل؛ إيما كالدويل، أرملة حرب تبلغ اثنتين وعشرين عامًا من تينيسي؛ وماري أوبراين، يتيمة أيرلندية في العشرين من نيويورك. وصلن بحقائب صغيرة مليئة بالآمال الكبيرة، مجذوبات بوعد حياة جديدة في بيئة آمنة ومحترمة. بدا الشهر الأول يؤكد كل تلك الوعود؛ كن يرتدين ملابس أنيقة، يتغذين جيدًا، ويبدون راضيات تمامًا. عشن في الطابق العلوي في غرف مفروشة بذوق رفيع. خلال النهار، ساعدن في أعمال المنزل وتلقين دروسًا في الآداب والسلوك من فيلهيلمينا.
أما ليلاً، فاستقبلن الزبائن: رجال أعمال، أصحاب مناجم، وتجار أثرياء يدفعون مبالغ طائلة مقابل الرقي والأناقة التي يتميز بها المكان.
مع مرور السنوات، ازدادت شهرة غولدن روز، وتدفقت النساء الشابات من مختلف الولايات، يبحثن عن ملاذ آمن بعيدًا عن الفقر واليأس. كانت الأخوات يختارن بعناية فائقة: يفضلن الفتيات اليتيمات أو الأرامل أو اللواتي لا يملكن عائلة تبحث عنهن. كانت العملية تبدو مثالية من الخارج: النساء يصلن، يعملن لبضع سنوات، ثم يغادرن بعد ادخار مبلغ كافٍ، أو هكذا كان يُروى. لم يلاحظ أحد أن معظمهن لم يغادرن المدينة أبدًا، وأن أخبارهن اختفت فجأة.
تحت السطح اللامع، كانت هناك آلية مظلمة تعمل بدقة. كانت الأخوات يستغلن الثقة التي تبنينها مع الفتيات، يجذبونهن بالراحة والأمان، ثم يبدأن في استغلالهن بطرق نفسية وجسدية. كانت غريتا تخطط، فيلهيلمينا تهدئ وتخدع باللطف، ومارغو تراقب وتنفذ. الضحايا كن يختفين تدريجيًا، ويُدفن جثثهن في الحديقة أو القبو، تحت طبقات من التراب والزهور التي تُزرع بعناية لإخفاء الجريمة.
استمرت العملية لسنوات دون أن يثير الشكوك أحد بجدية، لأن المدينة كانت مشغولة بالفضة والثراء، والنساء اللواتي يعملن في مثل هذه الأماكن كن يُعتبرن “غير مرئيات” اجتماعيًا. لكن في عام 1878، وبعد شكاوى متفرقة واختفاءات متزايدة، بدأ تحقيق رسمي. عندما هُدم جزء من المبنى وتم الحفر، ظهرت الكارثة: عشرات الهياكل العظمية لنساء شابات، مدفونات بعناية تحت الحديقة والقبو. بلغ العدد 97 جثة، كلها تحمل علامات عنف متشابهة.
أثارت الجريمة صدمة هائلة في أمريكا بأكملها. كانت الأخوات إيفرهارت قد بنين إمبراطورية رعب نفسي، مستغلين الفقر واليأس والثقة العمياء. لم يكن الأمر مجرد قتل عشوائي، بل نظام منظم يجمع بين الاستغلال الجنسي والقتل المتعمد للربح والسيطرة. اختفت الأخوات بعد الكشف، ولم يُعرف مصيرهن قط، مما أضاف طبقة أخرى من الغموض إلى القصة.
تظل قصة غولدن روز تذكيرًا مرعبًا بكيف يمكن للواجهة الجميلة أن تخفي أحلك الشرور، وبأن الشر لا يأتي دائمًا بمظهر مخيف، بل قد يرتدي ثياب الرقي واللطف. في تلك المدينة المنسية الآن، بقيت أصداء 97 روح تتردد تحت الأرض، شاهداً على واحدة من أكثر الفصول ظلامًا في تاريخ الغرب الأمريكي.