Blog.

هذه واحدة من أغرب الأمور التي تحدث في عالم التكنولوجيا حالياً. يقول إيلون ماسك إنها مخيفة. وضع العلماء 200 ألف خلية عصبية بشرية في طبق بتري وعلموها لعبة Doom.

هذه واحدة من أغرب الأمور التي تحدث في عالم التكنولوجيا حالياً. يقول إيلون ماسك إنها مخيفة. وضع العلماء 200 ألف خلية عصبية بشرية في طبق بتري وعلموها لعبة Doom.

Member
Member
Posted underNews

التجربة التي تُحدث ثورة في عالم التكنولوجيا وعلم الأعصاب اليوم تبدو وكأنها من روايات الخيال العلمي، لكنها حقيقية تمامًا. فقد حقق فريق من العلماء إنجازًا كان يبدو مستحيلاً حتى وقت قريب: تعليم خلايا دماغية بشرية حية لعبة “دوم”. أثار هذا المشروع فضولًا وجدلاً، بل وقلقًا أيضًا، حتى بين بعض الشخصيات الأكثر نفوذًا في عالم التكنولوجيا. وقد عبّر إيلون ماسك، أحد هؤلاء، عن رأيه بكلمة واحدة لخصت مشاعر الكثيرين: “مُرعب”.

أُجري البحث من قِبل شركة التكنولوجيا الحيوية “كورتيكال لابز”، وهي مختبر متخصص في التقاطع بين الذكاء الاصطناعي وعلم الأحياء والحوسبة. قام علماء المختبر بتنمية ما يقارب 200 ألف خلية عصبية بشرية حية على شريحة إلكترونية، وربطوها بنظام قادر على إرسال واستقبال الإشارات الكهربائية. وبهذا النظام الهجين، نصفه بيولوجي ونصفه رقمي، حققوا إنجازًا لافتًا: فقد تعلمت هذه الخلايا التفاعل مع لعبة الفيديو الكلاسيكية “دوم”، أو تحديدًا مع “فريدوم”، وهي نسخة مجانية مبنية على نفس محرك الرسومات.

لفهم أهمية هذه التجربة، علينا العودة بضع سنوات إلى الوراء. ففي عام ٢٠٢٢، كان الفريق نفسه قد لفت أنظار الأوساط العلمية عندما حقق إنجازًا مشابهًا في لعبة أبسط بكثير: لعبة بونغ. في تلك الدراسة، وُضعت خلايا عصبية بشرية وفأرية، نُمت في المختبر، على مصفوفة من الأقطاب الكهربائية. نقلت الأقطاب إشارات كهربائية تمثل موقع الكرة في اللعبة، واستجابت الخلايا العصبية بتوليد أنماط كهربائية منسقة تتحكم في المضرب.

كانت النتيجة مفاجئة لأنها أظهرت أن خلايا الدماغ المعزولة قادرة على التكيف مع المحفزات وتعلم الاستجابة لنظام التغذية الراجعة. بعبارة أخرى، أثبتوا أن الخلايا العصبية في طبق المختبر قادرة على تعلم مهمة بسيطة.

تأخذ التجربة الجديدة هذه الفكرة إلى أبعد من ذلك بكثير.

على عكس لعبة بونغ، ​​تتميز لعبة دوم ببيئة ثلاثية الأبعاد مليئة بالمتغيرات: أعداء متحركون، وإطلاق نار، وحركة مستمرة، ومؤثرات بصرية ومكانية متعددة. وقد مثّل الانتقال من لعبة بسيطة تعتمد على ارتداد الكرة إلى سيناريو معقد مليء بالحركة قفزة هائلة للباحثين.

أوضح ألون لوفلر، العالم في مختبرات كورتيكال المشارك في المشروع، أن الفرق بين اللعبتين جوهري من الناحية الحسابية. فبحسب لوفلر، تُعدّ لعبة بونغ في جوهرها مسألة إدخال وإخراج بسيطة للغاية. إذا ارتفعت الكرة، يجب أن يرتفع المضرب. وإذا انخفضت، يجب أن ينخفض ​​المضرب. ويستطيع النظام التكيف بسرعة لأن منطقه بسيط للغاية.

أما لعبة Doom، من ناحية أخرى، فتتطلب معالجة إشارات متعددة في آن واحد والاستجابة لمواقف مختلفة في الوقت نفسه. فهناك أعداء يظهرون، وأسلحة لإطلاق النار، واتجاهات للاختيار من بينها، وقرارات سريعة يجب اتخاذها داخل بيئة اللعبة.

يستخدم النظام الذي طورته شركة كورتيكال لابز إشارات كهربائية تُرسل إلى الخلايا العصبية لتمثيل المعلومات من بيئة اللعبة. تستجيب الخلايا بتوليد أنماطها الكهربائية الخاصة، والتي يفسرها نظام الحاسوب لاحقًا على أنها إجراءات داخل اللعبة. ومن خلال التكرار والتغذية الراجعة، تبدأ الخلايا العصبية في إظهار علامات التكيف.

على الرغم من أن التجربة قد أثارت ضجة إعلامية كبيرة، إلا أن العلماء يوضحون أن النظام لا يزال بعيدًا عن إظهار مستوى متقدم من المهارة.

أشار لوفلر إلى أن أداء النظام لا يرقى بأي حال من الأحوال إلى مستوى لاعب ألعاب فيديو محترف. بل إنه قارنه بشخص لم يستخدم جهاز كمبيوتر في حياته ويتعلم استخدامه من الصفر.

غالباً ما “تموت” الخلايا العصبية داخل اللعبة، مما يعني أن الشخصية التي يتحكم بها الحاسوب تُهزم بسرعة على يد الأعداء. ومع ذلك، فإن ما يهم الباحثين ليس المهارة بحد ذاتها، بل أنماط التعلم التي تبدأ بالظهور مع مرور الوقت.

في بعض الجلسات، يبدو أن الخلايا تُحسّن سلوكها بشكل طفيف. ويبدأ النظام في إظهار استجابات تُشير إلى إدراكه لبيئة اللعبة، مثل الانعطاف في اتجاهات معينة، أو البحث عن الأعداء، أو إطلاق النار بشكل أكثر اتساقًا.

لتوضيح الأمر، قد يبدو 200 ألف خلية عصبية رقماً ضخماً، لكنه في الواقع جزء ضئيل جداً مقارنةً بحجم دماغ الإنسان بأكمله. يحتوي دماغ الشخص البالغ على ما يقارب 86 مليار خلية عصبية.

لا تستخدم التجربة سوى جزء مجهري من هذا التعقيد البيولوجي.

ومع ذلك، فإن حقيقة أن هذا العدد الصغير من الخلايا يمكن أن يظهر علامات التعلم داخل بيئة رقمية قد أثارت اهتمامًا هائلاً في المجتمع العلمي.

يعتقد الباحثون أن هذا النوع من الأنظمة الهجينة قد يكون له تطبيقات مهمة في المستقبل. ومن أكثر المجالات الواعدة البحث في الأمراض العصبية. فمن خلال دراسة كيفية تعلم الخلايا العصبية واستجابتها في هذه البيئات الخاضعة للتحكم، سيتمكن العلماء من فهم اضطرابات مثل الزهايمر وباركنسون بشكل أفضل.

هناك أيضاً اهتمام باستخدام هذه الأنظمة كشكل جديد من أشكال الحوسبة البيولوجية. وتشير بعض الأبحاث إلى أن الأنظمة القائمة على الخلايا العصبية الحية قد تعالج المعلومات بطرق مختلفة عن الحواسيب التقليدية.

ومع ذلك، يثير المشروع أيضاً تساؤلات أخلاقية بدأت تظهر في النقاش العام.

إن فكرة زراعة خلايا دماغية بشرية وتدريبها على التفاعل مع ألعاب الفيديو تثير قلق البعض. ويرى بعض النقاد أن هذه التجارب تمثل منطقة رمادية بين علم الأحياء والذكاء الاصطناعي والوعي.

كان رد فعل إيلون ماسك يعكس هذا القلق بشكل مباشر. فبعد أن شاهد الخبر المتداول على شبكة التواصل الاجتماعي X، علّق رائد الأعمال التقني بكلمة واحدة: مُريب. وسرعان ما انتشر تعليقه انتشاراً واسعاً وأثار آلاف التفاعلات.

على الرغم من أن ماسك لم يوضح رأيه أكثر من ذلك، إلا أن رد فعله عكس شعوراً شاركه العديد من المستخدمين عند معرفتهم بالتجربة.

لكن بالنسبة للعلماء، فإن الهدف أبعد ما يكون عن خلق شيء مزعج أو واعٍ. ففي رأيهم، تستجيب هذه الخلايا العصبية ببساطة للمؤثرات الكهربائية وتُظهر أنماطًا أساسية من التكيف البيولوجي.

يؤكد الباحثون في مختبرات كورتيكال أن النظام لا يمتلك وعياً أو أفكاراً. إنه ببساطة عبارة عن خلايا تتفاعل مع إشارات داخل دائرة تجريبية.

ومع ذلك، يمثل هذا التقدم لحظة رائعة في العلاقة بين علم الأحياء والتكنولوجيا.

لعقود طويلة، تخيلت أفلام الخيال العلمي عوالم تتصل فيها أدمغة البشر مباشرة بالآلات والبيئات الافتراضية. وتُظهر تجارب كهذه أن الخط الفاصل بين الخيال والواقع التكنولوجي يتلاشى تدريجياً.

مع استمرار تطور التجربة، يتضح أمر واحد: قد يكون مستقبل الحوسبة وعلم الأعصاب أكثر ترابطاً مما كنا نتصور.

وفي الوقت الراهن، في أحد المختبرات، لا تزال 200 ألف خلية عصبية بشرية صغيرة تتعلم ببطء كيفية البقاء على قيد الحياة في عالم لعبة Doom الرقمي الفوضوي. حتى وإن كانوا لا يزالون يلعبون كمبتدئين تماماً.